عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
18
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
دالّة على صانعها بالضرورة ومشيرة إليه ، فسبيل السالك أن يتصفح الوجود ويديم الفكرة في المبدعات الإلهية وآثار عجائب الصنعة الربانية الدالّة على كمال صانعها وجماله وبهائه وجلاله فإن ذلك هو باب المعرفة ، كما أن العالم الغائب عن الأبصار إنما يستدلّ عليه بتصانيفه . وإذا كان ذلك كذلك فأجلّ الصنائع الإلهية وأعلاها دلالة وأظهرها حكمة وأجلاها برهانا عالم الإنسان لما أشرق عليه من نور النفس التي هي من عالم الأمر والدالّة عليه ، والدليل على شرفها أن الحق تعالى أضافها إلى نفسه حيث قال : قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [ الإسراء : الآية 85 ] ، وقال : وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [ الحجر : الآية 29 ] . وقال عليه السلام : « من عرف نفسه عرف ربّه » إلا أن النفس لا يدركها الإنسان أولا مجرّدة عن الأجسام إذ الأجسام مظاهرها التي لا تظهر إلا بها ، فمظاهر النفوس الإنسانية الصور الآدمية المعتدلة المزاج ، فإن الجسم كلما اعتدل صفا وكلما صفا حصلت فيه صورة القبول لأنوار النفس التي هي من أنوار الحق تعالى ، فلذلك كان هذا العالم الإنساني من أدلّ شيء على معرفة صانعه الحق تعالى ، لأنه اختصّه من بين سائر الحيوان بأسرار الملك والملكوت ، وبدائع عجائب عالم الجبروت ، فله الدلالة العظمى ، إذ هو الآية الكبرى ، ونسخة العالم الكلي المشتمل على الأسفل والأعلى . وإنما كانت هذه الجملة الإنسانية مشتملة على أسرار أرواح العالم الروحاني وبدائع صور العالم الجسماني لأنها لم تكن جسما صرفا - فإن المقصود الخروج عن عالم الأجسام وقواها إذ هي داعية إلى العالم الأسفل - ولا أيضا روحانية مجرّدة لكون النفس لا تشتاق إليها قبل الرياضة لجهلها بها بل كانت ذاتا واحدة قد اجتمع فيها الحسّ والمعنى والظاهر والباطن واللطيف والكثيف والعلوي والسفلي ، فبذلك عظمت دلالتها على صانعها لكي تستدلّ النفس بظاهرها على باطنها وتعرج عن حضيض سفلياتها إلى أفق علوياتها ، إذ خلق فيها طرفان أحدهما متصل بالعالم المحسوس يتوصل إلى معرفته بطريق الحواسّ التي هي سبب حصول العلوم الضرورية ، والطرف الثاني متصل بالعالم العلوي الذي هو عالم الأنوار الإلهية والجمال القدسي وبهذا الطرف يتوصل إليه : [ من الطويل ] تبدّى لنا في كل شيء حبيبنا * فتهنا كما تاه الكليم به عجبا وما نحن إلا حجبه وهو سرّنا * ويفهم سرّ الحجب من فهم الحجبا